جمال عبد الناصر و القارة السمراء..70 عام من التحرر والنضال

أعدها: الدكتور أبوبكر سرحان

الأستاذ بكلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة

مقدمة..

استعمار القارة من قبل القوى الأوروبية

شهدت مدينة برلين الألمانية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر انعقاد مؤتمرين دوليين كان لهما الأثر البالغ في مستقبل الوطن العربي ومستقبل القارة الإفريقية على سواء، حيث عقد بها المؤتمر الأوروبية في 13 جويلية 1878 الخاص بالمسألة الشرقية التي جاءت عقب الخلاف بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية وعلى رأسها روسيا. أما المؤتمر الثاتي فقد انعقد بتاريخ 15 نوفمبر 1884 واختتمت جلساته في 24 فبراير من سنة 1885، والذي جاء لتنظيم عملية الاستعمار بالقارة الإفريقية والسيطرة على خيراتها ومقوماتها الطبيعية والبشرية إلى جانب مناقشة القضايا المتصارع عليها بين الدول الأوروبية مثل مسألة الملاحة بحوض الكونغو التي كانت إحدى أسباب انعقاد المؤتمر.

كان مؤتمر برلين بمثابة احتلال صريح لأفريقيا بأكثر من طريقة، فالقوى الاستعمارية فرضت مجالاتها على القارة الأفريقية، وفي الوقت الذي عاد فيه الاستقلال إلى أفريقيا في عام 1950، كان العالم قد اكتسب ميراثًا من التشرذم السياسي الذي لا يمكن القضاء عليه أو جعله متجانسًا مع القوى الدولية التي كانت تتعامل معه على أنه شكل من أشكال المرض.

الغرض من مؤتمر برلين

في عام 1884 بناء على طلب من البرتغال، دعا المستشار الألماني أوتو فون بسمارك القوى الغربية الكبرى في العالم للتفاوض على الأسئلة ووضع حد للارتباك حول السيطرة على أفريقيا.

وأعرب بسمارك عن تقديره لفرصة توسيع نطاق نفوذ ألمانيا في أفريقيا ورغبته في إجبار منافسي ألمانيا على النضال مع بعضهم البعض من أجل الأراضي.

في وقت انعقاد المؤتمر، ظلت 80 ٪ من أفريقيا تحت السيطرة التقليدية والمحلية، ما نتج في نهاية المطاف هو خليط من الحدود الهندسية التي قسمت أفريقيا إلى خمسين دولة غير نظامية. تم فرض هذه الخريطة الجديدة للقارة على أكثر من ألف من الثقافات والأقاليم الأصلية في أفريقيا. كانت البلدان الجديدة تفتقر إلى القافية أو العقل، وقسمت مجموعات متماسكة من الناس ودمجت معا مجموعات متباينة لم تتفق حقاً.

الدول الممثلة في مؤتمر برلين

ومثلت أربع عشرة دولة من قبل عدد كبير من السفراء عندما افتتح المؤتمر في برلين في 15 نوفمبر، 1884. تضمنت البلدان الممثلة في ذلك الوقت النمسا والمجر وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى وإيطاليا وهولندا والبرتغال، روسيا، إسبانيا، السويد- النرويج (موحدة من 1814-1905)، تركيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن بين هذه الدول الأربع عشرة، كانت فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى والبرتغال اللاعبان الرئيسيان في المؤتمر، اللذان يسيطران على معظم أفريقيا الاستعمارية في ذلك الوقت.

مهام مؤتمر برلين

كانت المهمة الأولية للمؤتمر هي الموافقة على اعتبار نهر الكونغو وأحواض وأحواض نهر النيجر محايدة ومفتوحة للتجارة.

على الرغم من حياده، أصبح جزء من حوض الكونغو مملكة شخصية لملك بلجيكا ليوبولد الثاني وتحت حكمه، مات أكثر من نصف سكان المنطقة.

في وقت انعقاد المؤتمر، كانت المناطق الأوروبية فقط هي التي استعمرت من قبل القوى الأوروبية. في مؤتمر برلين، سارعت القوى الاستعمارية الأوروبية إلى السيطرة على المناطق الداخلية من القارة. استمر المؤتمر حتى 26 فبراير 1885 – فترة ثلاثة أشهر حيث تنازلت القوى الاستعمارية حول الحدود الهندسية في المناطق الداخلية من القارة، متجاهلة الحدود الثقافية واللغوية التي أنشأها السكان الأصليون في أفريقيا.

بعد المؤتمر، استمر العطاء والأخذ. بحلول عام 1914، كان المشاركون في المؤتمر قد قسموا إفريقيا بالكامل فيما بينهم إلى خمسين دولة.

المقتنيات الاستعمارية الرئيسية شملت:

  • أرادت بريطانيا العظمى مجموعة من المستعمرات من كيب إلى القاهرة وكادت تنجح من خلال سيطرتهم على مصر والسودان (السودان المصري المصري) وأوغندا وكينيا (شرق أفريقيا البريطانية) وجنوب أفريقيا وزامبيا وزيمبابوي (روديسيا)، بوتسوانا. كما سيطر البريطانيون على نيجيريا وغانا (جولد كوست).
  • استولت فرنسا على جزء كبير من غرب أفريقيا، من موريتانيا إلى تشاد (غرب إفريقيا الفرنسية) وغابون وجمهورية الكونغو (إفريقيا الاستوائية الفرنسية).
  • كانت بلجيكا والملك ليوبولد الثاني يسيطران على جمهورية الكونغو الديمقراطية (الكونغو البلجيكية).
  • استغرق البرتغال موزمبيق في الشرق وأنجولا في الغرب.
  • وكانت حيازات إيطاليا هي الصومال (صوماليلاند الإيطالي) وجزء من إثيوبيا.
  • أخذت ألمانيا ناميبيا (جنوب غرب أفريقيا جنوب أفريقيا) وتنزانيا (شرق أفريقيا الألمانية).
  • ادعت إسبانيا أصغر الأراضي – غينيا الاستوائية (ريو موني).

عبد الناصر وحركات التحرر الأفريقية:

بعد قيام الثورة المصرية في الثالث والعشرين من يوليو لعام 1952 ومع وصول قائدها جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم تغيرت السياسة المصرية تجاه جميع القضايا والملفات وعلى رأسها قضية أفريقيا التى نظر إليها ناصر باهتمام بالغ جاءت نتائجه سريعا.

وانطلق ناصر في تعامله مع أفريقيا من مبدأ كون مصر تحتفظ بهويتها الأفريقية التي تعتز بها وتنتمي إليها، وأن مصر شريك في البناء والتنمية والدعم السياسي لكل قرار وطني مستقل لشعوب هذه القارة، وأن مواجهة الاستعمار ومحاصرته بتأليب الشعوب عليه أمر حاسم، ولم تكن بلادنا ترغب وسط كل هذه المساعدات أن تزيل محتلا وتبقى هي بديلا عنه لكنها دعمت الاستقلال بصورة واسعة ومشرفة، حتى باتت القاهرة قبلة الأحرار والوطنيين والمناضلين.

ناصر لفت بوضوح إلى جدية التوجه ناحية أفريقيا في كتابه “فلسفة الثورة” باعتبارها الدائرة الثانية من دوائر العمل السياسي الخارجي.

وبدورها لم تغفل الدول الأفريقية دور عبد الناصر فى حركات التحرر والتخلص من الاستعمار حيث برز دور عبد الناصر فى مساندته لحركات التحرر في عدة دول أفريقية لاستعادة حريتها وسيادتها على بلدانها؛ حيث فتحت مصر أبوابها للزعماء الأفارقة الوطنيين وأمدتهم بكافة وسائل الدعم الممكنة وصولًا إلى التحرر والاستقلال.

حيث أدت مصر دورًا كبيرًا في جميع المجالات وليست السياسية فقط، ولكن أدت الأدوار الداعمة لحركات التحرر ومنها؛ مجال توجيه إذاعات ناطقة بعدد من اللغات المنتشرة في أرجاء القارة الأفريقية، كشفت من خلالها خطط المستعمر ومناوراته، ونقلت لهم الأخبار الدقيقة والسريعة، كما عزفت لهم الأغاني المحلية الحماسية، وكان ذلك عقب نجاح إذاعة “صوت أفريقيا“. والتي بدورها كانت داعمًا قويًا للدور السياسي ال>ي كان من نتائجه تحرر الدول الأفريقية.

ووفق كتاب “عبد الناصر والثورة الأفريقية” فإن مصر كانت تذيع إلى غرب أفريقيا بلغات الهوسا واليوربا والبامبرا والولوف، وإلى وسط أفريقيا بلغت النيانجا والشونا والسندبيلي واللنجالا، وإلى جنوب أفريقيا بلغة الزولو، وإلى شرق أفريقيا بالصومالية والتجرينية، وغيرها من لغات ولهجات أفريقيا علاوة على اللغات المستخدمة رسميًا في عدة مناطق وهي الانجليزية والفرنسية، والبرتغالية، والاسبانية، والعربية.

فقد سعى الزعيم جمال عبد الناصر ولم يدخر جهدًا في أن تنال الدول الأفريقية استقلالها، وكذلك لم يدخر جهدا فى طرد المستعمرين من البلاد الأفريقية ووضع حدا لأن تكون أفريقيا تابعة للاحتلال العالم بقيادة أوروبا، فأصبحت بالفعل دول أفريقيا صاحبة قرار، فهو الرئيس والزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أحب أفريقيا فأحبته وأكنت له كل الاحترام والتقدير لجهوده الحثيثة والداعمة لحركات التحرر فى القارة الأفريقية.

كتاب “مصر في أفريقيا” الصادر بثلاث لغات عن الهيئة العامة للاستعلامات، يتحدث عن التوجه المصري ناحية القارة منذ عهد الرئيس عبد الناصر إلى عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، حيث يستهدف الكتاب زيادة الوعى لدى الشعب فى مصر بالقارة الافريقية، وكذلك تقديم وشرح سياسة مصر تجاه قارة أفريقيا.

وشارك في تحريره وتأليفه ثلاثة متخصصون وهم: رئيس قطاع الإعلام الخارجي عبد المعطى أبوزيد، ومدير تحرير دورية آفاق أفريقية رمضان قرنى، ومديرة تحرير آفاق آسيوية دكتورة سمر إبراهيم.

يرصد الكتاب، وفق تقرير موقع هيئة الاستعلامات، فى الفصل الأول اهتمام مصر بأفريقيا منذ ثورة يوليو 1952 حتى عام 2014 حيث أولت السياسة المصرية الدائرة الأفريقية اهتماماً كبيراً على مدى عقدين من الزمان، كما خص كتاب “فلسفة الثورة”، للزعيم الراحل جمال عبد الناصر الدائرة الأفريقية باعتبارها الدائرة الثانية من دوائر العمل السياسي الخارجي.. وإزاء هذا الإدراك الرئاسي لعلاقات مصر بالقارة، وإيمانا بهوية مصر الأفريقية، تعددت جهود سياسة مصر الأفريقية في العديد من القضايا والمجالات أبرزها: دعم حركات التحرر الوطني، والمساهمة في دعم استقلال 34 دولة أفريقية خلال الفترة من 1952-1967، بجانب توثيق الصلات مع زعماء التحرر الوطني.

ويوضح الكتاب أن مصر في عهد ناصر كانت من أوائل الدول التي ساهمت في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 قبل أن تتحول إلى الاتحاد الأفريقي، ويمكن القول إن تأسيس المنظمة القارية، جاء تتويجا لجهود الآباء العظماء والتاريخيين لزعماء قارة أفريقيا من أمثال: عبد الناصر وسيكوتوري، ونكروما، ولومومبا، وبن بيلا.

صعوبات الوصول إلى أفريقيا..

في كتابه “عبد الناصر والثورة الأفريقية” يوضح الدبلوماسي المصري محمد فايق دور الزعيم الراحل في دعم القارة الأفريقية بمزيد من التفصيل، حيث اتجه “فايق” لكشف الصعوبات الأولية والعراقيل التي تقف أمام الجانب المصري للوصول إلى العمق الأفريقي، وعلى الرغم من تجاوب حركات التحرر في الوطن العربي مع الثورة المصرية فإن الوضع في أفريقيا كان مختلفًا.

يقول “فايق”: مجرد الاتصال بالحركات الوطنية في أفريقيا كان في البداية أمرا بالغ الصعوبة، كما أن المعلومات عن هذه الحركات قليلة جدا، وقبضة الاستعمار القوية تقيم الحواجز بيننا وبين شعوب هذه المنطقة حتى أنه لم يكن يسمح بسهولة إضافة القاهرة على جوازات السفر الأفريقية، كما كان أي مصري يجد صعوبة كبيرة في مجرد دخول هذه المستعمرات، ولذلك كان لابد لنا من التحايل لدخول هذه الأقاليم لاستكمال الدراسات الميدانية والاتصال بالحركات الوطنية التي لم تكن هي بدورها تعلم الكثير عما يدور في مصر.

ومن أجل الاتصال مع تلك الحركات كنا نتصيد الزعماء المسلمين من أفريقيا عندما يذهبون للحج، والقادة السياسيين عندما يذهبون لعواصم الدول الاستعمارية نفسها، واستفدنا  بمعلومات الآلاف من الدراسين الأفارقة في الأزهر الذين ساعدونا في الاتصال بالزعماء الوطنيين في بلادهم.. وعندما توطدت العلاقات وذاع صيت القاهرة كقاعدة للتحرر أصبح الأفارقة هم الذين يتحايلون للوصول إلينا.

مصر وقضية السودان..

أوضح “فايق” أن قضية السودان أثبتت جرأة ناصر في التعامل مع الملفات الحساسة، كما أنها شفت عن حكمته في التحلي بروح الواقع والعصر في التعاطي مع استقلال السودان.

قال “فايق”: خرج عبد الناصر عن الطريق الذي سار فيه جميع الزعماء الوطنيين والحكومات السابقة في مصر في المطالبة بسيادة على السودان أو حتى ضمه إلى الأرض المصرية.. بل إن الملك فاروق ذهب إلى حد الإعلان عن نفسه ملكا على مصر والسودان.

ومع هذا الميراث في التعامل مع السودان، ومع وضع في الاعتبار أن عبد الناصر كان من أنصار الدمج والوحدة وخاصة مع الأقطار العربية، فكيف يوافق على انفصال السودان؟ هذه النقطة تحديدا جعلت الإنجليز يناورن ويربطون وجودهم بالوجود المصري فتعلن الأخيرة موافقتها إجراء استفتاء في السودان والخروج لتهيئة جو حر محايد، وبذلك أحرجت الإنجليز الذين طالبوا بنفس المطالب لعلمهم أن الجانب المصري سوف يرفضها خاصة بعد شعارات وحدة وادي النيل.

ذكر “فايق” في كتابه أنه تم الاتفاق بين جميع الأطراف على فترة انتقالية لسودان مدتها3 سنوات يتم فيها تصفية الإدارة الثنائية، وأن يكون للحاكم العام أثناء هذه الفترة لجنة خماسية تعاونه، وتقرر تأليف جمعية منتخبة لتقرير مصير السودان على أساس: الارتباط مع مصر بأي صورة، أو الاستقلال التام والانفصال.. كما تقرر أن تنسحب القوات المصرية والبريطانية من السودان فورا عندما يعلن البرلمان السوداني رغبته في الشروع في اتخاذ التدابير الخاصة بتقرير المصير.

في العام 1955 أبلغت حكومة الأزهري الجانبين المصري والإنجليزي برغبة الجمعية التأسيسية في سحب الجيش لإجراء الاستفتاء، سارعت مصر بالرحيل تاركة أسلحتها الثقيلة هدية لجيش السودان مما اضطر الاحتلال للخروج أيضا، ثم أعلنت حكومة الأزهري قيام الجمهورية السودانية في 19 ديسمبر سنة 1955 وتم تشكيل مجلس قيادة لرئاسة الدولة، دو انتظار لإجراء الاستفتاء ولم تطالب به مصر بل سارعت وباركت الاستقلال واعترفت بالسودان.

وهكذا فإن مصر وإن كانت قد خرجت من السودان دون أن تحقق الوحدة التي كانت تنشدها إلا أنها فتحت أمامها مجال العمل في أفريقيا، والتزمت بمبدأ تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير.

مصر بجانب الصومال..

في ذلك الوقت سعت أكثر من قوة للسيطرة على الصومال وتغيير هويته العربية بما في ذلك دولة أفريقية مجاورة، وقتها كانت الصومال من الأقاليم الموضوعة تحت وصاية الأمم المتحدة والإدارة الايطالية، وكانت الأمم المتحدة قد أنشأت هيئة تابعة لها هي “المجلس الاستشاري” منذ عام 1950 مكونة من ثلاث دول هي مصر وكولومبيا والفلبين بقصد الإشراف عل الإدارة في الصومال والتأكد من قيادة البلاد نحو الاستقلال خلال فترة تنتهي عام 1960، وكان وجود مصر في هذا المجلس يعتبر شكليًا قبل ثورة يوليو.

يشير “فايق” أن الوضع تغير بعد ثورة يوليو، حيث استفادت مصر من وجودها في المجلس الاستشاري وذلك لدعم الصومال، حيث تبنت وجه النظر الوطنية، ودافعت عنها وقدمت المشورة السياسية والخبرة القانونية للأحزاب والحركات الوطنية وساعدتها في مقاومة المناورات التي تهدف الى تأخير تسليم البلاد.. ثم قدمت مصر مساعدات كثيرة للصومال بعدما واجهت النوايا الخبيثة للدول التي كانت ترغب في السيطرة على الصومال.

يسرد “فايق” أحد المواقف التي قامت بها مصر لدعم الصومال فيما بعد، وذلك حينما حاولت الشركات الايطالية الضغط على رئيس الوزراء الصومالي عبد الرشيد الشرماركي من خلال امتناعها عن شراء الموز، وهو المحصول الأساسي والأكبر للصومال، ساعها قرر ناصر أن يشتري محصول الموز من السودان ليحرر الصومال من الضغوطات، وفكر أن يوجه محصول بلاده للتصدير، وفي الوقت نفسه كان يفكر في عودة الشركات الإيطالية للتفاوض مع الصومال لإبطال الصفقة المصرية وهو ما حدث فعلا بمجرد إعلان مصر استعدادها لشراء المحصول.

مساندة مصر للجزائر

ساندت مصر الثورة الجزائرية حيث أدى نجاحها إلى فتح أبواب الاتصال بيننا وبين حركات التحرر والتنظيمات الثورية في أفريقيا الفرنسية التي لجأ كثير من زعمائها إلى القاهرة للحصول على تأييد جمال عبد الناصر، بعد أن عرفوا دور مصر في مساعدة الثورة الجزائرية ومن أمثال هؤلاء زعيم حزب اتحاد شعب الكاميرون والزعيم الصومالي محمود حربي وجيبو بكاري زعيم سوابا في النيجر وغيرهم.

عبد الناصر وكينيا

قامت العلاقات المصرية الكينية قبل نيل الاستقلال، حيث ساند الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حركة “الماو ماو” الكينية من خلال حملة إعلامية ودبلوماسية مركزة ضد الاستعمار البريطانى لكينيا، وتم تخصيص إذاعة موجهة من مصر للشعب الكيني لمساندته فى نضاله لتحرير بلده باسم “صوت أفريقيا”، وهي أول إذاعة باللغة السواحيلية تبث من دولة أفريقية لدعم كينيا فى الحصول على استقلالها.

حولت مصر قضية “الماو ماو” لحالة أفريقية سعت من خلالها الإفراج عن الزعيم الكينى جومو كينياتا الذي احتجزته سلطات الاحتلال البريطانى عام 1961، وكانت القاهرة أول عاصمة تستقبل المناضلين الكينيين، وتمدهم بكل المساعدات الممكنة لتنشيط حركتهم داخل كينيا وعلى رأسهم: أوجينجا أودينجا، وتوم مبويا، وجيمس جيشورو، وجوزيف موروبي، وهكذا استمر الدعم المصري إلى أن حصلت كينيا على استقلالها فى عام 1963.

لم يتوقف الدعم المصري عند هذا الحد، ولكنه استمر عطاء عبد الناصر حيث افتتحت كينيا في عام 1964 سفارتها بالقاهرة، وخلال اعتماده أوراق أول سفير لجمهورية كينيا بالقاهرة عبر الرئيس عبد الناصر وقتها عن إعجابه بكفاح الشعب الكينى من أجل الحرية والاستقلال بزعامة “جومو كينياتا” الذى أصبح أول رئيس لكينيا بعد الاستقلال، وأبدى عبد الناصر استعداده للتعاون الكامل مع كينيا وكافة الدول الأفريقية من أجل تعزيز قوة أفريقيا وتنمية مواردها بما يساهم فى تدعيم وحدتها.

فى عام 1964 استضافت مصر مؤتمر القمة الأفريقى الثانى، وعلى هامش جلسات المؤتمر أبدى الرئيس عبد الناصر استعداده للتعاون العسكرى مع كينيا وأجابه الرئيس كينياتا بالإعراب عن رغبته فى التخلص من القوات البريطانية الموجودة فى بلاده، ومساندة مصر لكينيا ومساعدتها فى بناء الجيش الكينى الوطنى، حيث يذكر فى هذا الصدد الكلمة الشهيرة للرئيس جومو كينياتا ” سنظل نذكر ناصر دائمًا أن مساندته لأفريقيا حررت الكثير من دولها“.

عبد الناصر وتنزانيا

بالتأكيد سيظل يذكر التاريخ ماقام به عبد الناصر للقارة، فدعمه لم يتوقف عند كينيا، ولكن كان لعبد الناصر موقفا داعما لتنزانيا حيث ربطت مصر وتنزانيا علاقات دبلوماسية وثيقة حتى قبل نشأة اتحاد تنزانيا عام 1964، بل وقبل استقلال تنجانيقا عام 1961، ففي عام 1954م كوَّن الأفارقة اتحاد تنجانيقا الإفريقي الوطني بقيادة “جوليوس نيريري” وآخرين، للمطالبة بالاستقلال الكامل عن بريطانيا.

لقى اتحاد تنجانيقا دعمًا مباشرًا من الزعيم جمال عبد الناصر حتى نال الاتحاد بالأغلبية استقلال تنجانيقا عام1961م، وبعد ذلك بعام واحد انتُخِبَ نيريري رئيسًا للبلاد، ثم مَنَحت بريطانيا زنجبار استقلالها في عام 1963م، وفي عام 1964 تم الاتحاد بين تنجانيقا وزنجيبار، وكانت مصر في مقدمة الدول التي اعترفت بجمهورية تنزانيا الاتحادية، وقدمت لها الدعم.

كان الكفاح ضد الاستعمار هو الغاية التى ربطت عبد الناصر بأشقائها فى الدول الأفريقية، والتى بالفعل تكللت بالنجاح ثم تفرغت هذه الدول من أجل تنميتها والنهوض باقتصادها والتعاون فيما بينها.

عبد الناصر وغانا

تحظى غانا بمكانة خاصة من جانب مصر حيث أن هناك ددعم قوى ومساندة قدمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الرئيس نكروما منذ خمسينيات القرن الماضي وخلال استقلال غانا عن بريطانيا في عام 1957، حيث ساند عبد الناصر الرئيس نكروما،كما أن الشعب الغاني ارتبط بمصر أكثر منذ أن قرر زعيمهم ـكوامي نكروما أول رئيس لغانا بعد الاستقلال، الزواج بعروس النيل “فتحية رزق“.

يروي جمال نكروما الإبن الأكبر للزعيم كوامى نكروما كيف أن والدته “فتحية” رغم الأزمة التي تعرضت لها عام 1966، عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بزوجها إلا أنها لم تتأخر عن القيام بواجبها تجاه وطنها مصر، ويتذكر جمال أن والدته حينما وقع الانقلاب اتصلت بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر فجرًا لتستنجد به وطمأنها وأرسل بالفعل طائرة خاصة لأكرا لاصطحابنا إلي القاهرة وأقامنا في قصر الطاهرة، لمدة ثلاثة أشهر لحين الانتهاء من تجهيز بيتنا في المعادي، ويوضح جمال الذي سمي علي اسم الزعيم عبد الناصر أن ناصر كان صديقًا لوالده ولولاه لما وافقت أسرة فتحية علي هذه الزيجة.

عبد الناصر وأنجولا

تعود العلاقات بين أنجولا ومصر إلى الستينيات من القرن الماضي، عندما كان القوميون الأنجوليون يشاركون في الكفاح من أجل الاستقلال، وتعززت في عام 1976 مع افتتاح السفارة الأنجولية في مصر، فلم تشهد العلاقات المصرية والأنجولية أية توترات في أي مرحلة من مراحلها المختلفة منذ استقلال أنجولا، و يرجع تاريخ هذه العلاقات لعام 1965 حيث تم فتح أول مكتب إقليمي لحزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (MPLA) بالقاهرة برئاسة السيد باولو جورج وزير الخارجية الأسبق و ذلك لدعم حركات التحرر الأنجولية ضد الإستعمار البرتغالي.

وخلاصة القول أن مصر لم تتخل عن دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في إعادة سيادة القارة الأفريقية وصناعة وعي شعوبها أثناء عهد الزعيم عبد الناصر؛ حيث حصلت الدول الأفريقية على الاستقلال، وتعرضت مصر لمواقف وضغوطات المستعمر حتى بعد جلاءه، فقد عمل المستعمر على خلق فجوات في هذه الدول الأفريقية لوضع مصر في موقف حرج، وكان من هذه الدول غينيا الاستوائية التي تعرضت لسحب الأطباء والخبراء الأسبان بعد خروج الأخيرة منها، فتدخلت مصر وأعلنت عن توفيرها الأعداد المطلوبة من أطباء وخبراء لغينيا.

وعندما وقعت الحرب الأهلية في نيجيريا أرسلت مصر قرابة 300 طبيب مصري للعمل مع الحكومة بعد أن تركها الأوربيون أثناء هذه الحرب.

كما قدمت مصر القروض لعدد من الدول الأفريقية وخاصة الدول الصديقة التي رفضت التعامل مع إسرائيل مثل غينيا التي حصلت على قرض من مصر قيمته 10 ملايين جنيه بموجب اتفاقية بين البلدين بمقتضاها تنفذ مصر بعض المشروعات الانشائية

وعقدت مصر اتفاقية مع مالي تحصل الأخيرة بموجبها على قرض في حدود 6 ملايين من الجنيهات تنفذ في إقامة فندق عالمي في مدينة بماكو العاصمة وفي رصف طريق، وقد أبدى عبد الناصر تحفظه على هذه الاتفاق لأنه فضل إقامة مشروعات إنتاجية بدلا من الفندق لكن جانب مالي أصر على وجود الفندق لأن وجوده في عاصمتها ضروري لعقد المؤتمرات واستضافة الوفود حيث كانت مدينة بماكو تفتقر إلى أي مكان مناسب.

هكذا كانت رؤية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في أفريقيا، وهكذا كان رده على الاحتلال، وهكذا كان دوره في مساندة للدول الأفريقية لنيل استقلالها وصناعة قرارها بنفسها بدون التدخل من أحد.

ومن هنا نطلب ونثمن دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في مساندة الدول الأفريقية وشعوبها، لأن مصر جزء أصيل من القارة الأفريقية وبعدها الاستراتيجي، ولابد من تفعيل الشراكات بين مصر والدول الأفريقية في جميع المجالات وعلى رأسها السياسية والاقتصادية؛ لكي تستعيد القارة قدرتها على إدارة مواردها بنفسها وبفكر وسواعد أبنائها.

– المركز العربى الإفريقي للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية.